ابن أبي الحديد

120

شرح نهج البلاغة

أو يدنو منها ، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل ، على السماوة ، حتى مر بواقصة ( 1 ) وشراف ( 2 ) والقطقطانة ، مما والى ذلك الصقع ، فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك فر هاربا ، فأتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت ( 3 ) الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلا كلا ولا ( 4 ) ، فلم يصبر لوقع المشرفية ( 5 ) ، وولى هاربا ، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ، ونجا جريضا ( 6 ) بعد ما أخذ منه بالمخنق ، فلأيا بلأى ما نجا . فأما ما سألتني أن أكتب لك برأيي فيما أنا فيه ، فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة ، لأنني محق والله مع المحق ، ووالله ما أكره الموت على الحق ، وما الخير كله إلا بعد الموت لمن كان محقا . وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبنى أبيك فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشدا محمودا ، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت ، ولا تحسبن ابن أمك - ولو أسلمه الناس - متخشعا ولا متضرعا إنه لكما قال أخو بني سليم ( 7 ) : فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب يعز علي أن تري بي كآبة * فيشمت عاد أو يساء حبيب . * * * قال إبراهيم بن هلال الثقفي : وذكر محمد بن مخنف أنه سمع الضحاك بن قيس بعد ذلك بزمان يخطب على منبر الكوفة ، وقد كان بلغه أن قوما من أهلها يشتمون عثمان

--> ( 1 ) واقصة : منزل في طريق مكة . ( 2 ) إشراف ، بفتح أوله : موضع قريب من واقصة في طريق مكة أيضا . ( 3 ) طفلت الشمس : مالت إلى الغروب . ( 4 ) قال في اللسان : العرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل قالوا : كان فعله كلا ، وربما كرروا فقالوا : كلا ولا ( 20 : 375 ) . ( 5 ) المشرفية : السيوف ، منسوبة إلى مشارف الشام ، قرى من أرض العرب تدنو من الريف . ( 6 ) جريضا : مجهودا يكاد يقضي . ( 7 ) هو صخر بن الشريد السلمي .